السيد كمال الحيدري
62
التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)
الجبر ، فتيّارات العمل الاجتماعي والسياسي وحركات التغيير والإصلاح في العالم الإسلامي السنّى وجدت نفسها مضطرّة اليوم للعمل بمبدأ السببيّة لكي تعطى قيمة لفعلها ، ويكون بمقدورها أن تلج حقل العمل السياسي والاجتماعي بعقلية سببيّة سننيّة منظّمة ، وهذا ما هو حاصل على أرض الواقع ، بغضّ النظر عن طبيعة المتبنّيات الفكرية في المجال العقَدى . إنّ هذا التغيير على صعيد الواقع وإن كان يملى إعادة النظر بالمتبنّيات الفكرية على صعيد الموقف من الفعل الإنسانى واستئناف الرؤية بعقيدة الجبر ، إلّا أنّه ينبغي أن لا نبالغ بالمسألة ، إذ ما يزال المبدأ الجبري يشعّ بتأثيراته على سلوك المسلمين ، ولم تتحرّر منه بالكامل حتّى حركات التغيير السياسي والاجتماعي وتنظيمات الإسلام الحركي . أمّا بشأن الشيخ عبده ، فإنّ غالب الدراسات في المجال الإحيائى وفى تأريخ فكر النهضة تنسب إليه تحوّلًا نظرياً يصل إلى مستوى الانقلاب النظري على المبدأ الجبري رغم أشعريته . ففي واحدة من هذه النصوص نقرأ لعبده قوله : « إنّ القول بالجبر قول طائفة ضئيلة انقرضت وغلب على المسلمين مذهب التوسّط بين الجبر والاختيار ، وهو مذهب الجدّ والعمل » « 1 » . في نصٍّ آخر يتوغّل في مرتكزات الفكرة أكثر ليسجِّل صراحة أنّ : « واهب الوجود يهب الأنواع والأشخاص وجودها على ما هي عليه ، ثمّ كلّ وجود متى حصل كانت له توابعه ، ومن تلك الأنواع الإنسان ، ومن مميّزاته حتّى يكون غير سائر الحيوانات أن يكون مفكِّراً مختاراً في عمله على مقتضى فكره ، فوجوده الموهوب مستتبع لمميّزاته هذه » « 2 » .
--> ( 1 ) رسالة : هل نحن مسيّرون أم مُخيّرون ، ص 11 نقلًا عن : الإلهيّات ص 606 . ( 2 ) الأعمال الكاملة للإمام محمد عبده ، المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، بيروت 1972 ، ج 3 ، ص 389 388 .